ابراهيم بن عمر البقاعي
24
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عن مطلق الكذب وأشدهم تحريا بقوله : قُلْ إِنَّ اللَّهَ أي الذي له الكمال كله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي بشيء من هذا الجنس . ولما كان الكذب قبيحا في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقا ، فكيف به على كبير منهم فكيف إذا كان على أعظم العظماء ! قال منكرا عليهم موبخا لهم مهددا : أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ أي الذي له جميع العظمة ما لا تَعْلَمُونَ * لأنكم لم تسمعوا ذلك عن اللّه بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق صحيح عن نبي من الأنبياء عليهم السّلام ، وفيه تهديد شديد على الجهل والقول على اللّه بالظن . ولما كان تعليلهم بأمر اللّه مقتضيا لأنه إذا أمر بشيء أتبع ، أمره أن يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيدا بجازم النقل فقال : قُلْ أي لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف أَمَرَ رَبِّي المحسن إليّ بالتكليف بمحاسن الأعمال ، التي تدعو إليها الهمم العوال بِالْقِسْطِ وهو الأمر الوسط بين ما فحش في الإفراط صاعدا عن الحد ، وفي التفريط هابطا منه ؛ ولما كان التقدير : فأقسطوا اتباعا لما أمر به ، أو كان القسط مصدرا ينحل إلى : أن أقسطوا ، عطف عليه وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ مخلصين غير مرتكبين لشيء من الجور عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه ، ولا يتقيدن أحد بمكان ولا زمان بأن يقول وقد أدركته الصلاة : أذهب فأصلي في مسجدي وَادْعُوهُ عند ذلك كله دعاء عبادة مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ * أي لا تشركوا به شيئا . ولما كان المعنى : فإن من لم يفعل ذلك عذبه بعد إعادته له بعد الموت ، ترجمه مستدلا عليه بقوله معللا : كَما بَدَأَكُمْ أي في النشأة الأولى فأنتم تبتدئون نعيدكم بعد الموت فأنتم تَعُودُونَ * حال كونكم فريقين : فَرِيقاً هَدى أي خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية وَفَرِيقاً أضل ، ثم فسر أضل - لأنه واجب التقدير بالنصب - بقوله : حَقَّ أي ثبت ووجب عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي لأنه أضلهم فيحشرون على ما كانوا عليه في الدنيا من الأديان ، والأبدان ، وقد تبين أن ههنا احتباكين : أثبت في أولهما بدا دليلا على حذف يعيد وذكر تعودون دليلا على حذف تبتدئون ، وأثبت في الثاني هدى دليلا على حذف أضل وذكر حقوق الضلالة دليلا على حذف حقوق الهدى . ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو إليه الحكمة في تقرير ما ينكره المخاطب تأنيسا له به وكسرا لشوكته وإيهانا لقوته وقمعا لسورته إلى أن ختم بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها تخرجون فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [ الأعراف : 6 ] علل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها أي وجوب وبالها عليهم بقوله : إِنَّهُمُ